اجتماعية ناقدة: في 1986 عندما افتتح جسر الملك فهد، بثت قنوات التلفزة العالمية صور الاختناق المروري على الجسر مع تقارير تقول إن كثيراً من أبناء الشقيقة السعودية توافدوا على البحرين طلباً للكحول والنساء؛ فيما تقاطر البحرينيون على السعودية لشراء البيض ومعجون الأسنان ومستحضرات التنظيف..!! كانوا يتندرون علينا بالطبع ولكنها الحقيقة.. كثيرون كانوا، ولا تزال القلة بالطبع، يقصدون السعودية للتموين طمعاً في توفير بضعة دنانير؛ ما حدا ببعض محال التوفير في السعودية لافتتاح أفرع في البحرين لما وجدت كثافة الإقبال من البحرينيين. فهل سيعود عنفوان ذلك الزمن..؟ وهل سيقصد البحرينيون – قريبا- السعودية لملء خزاناتهم بالوقود كما يفعل سواق الشاحنات والباصات الآن!!
ربما.. على الأرجح..
كثيرون يقولون الآن، في معرض تبرير توجه الحكومة لرفع الدعم عن البترول والسلع الأساسية، أن الدعم يطال اليوم الأغنياء والفقراء كما ويطال الوافدين والأجانب والشركات- كما الأفراد- وعليه يجب إعادة توجيه الدعم .. قول كهذا هو قول حق – نعم حق- ولكن المراد من ورائه باطل..فنحن نقبل عن طيب خاطر أن ترفع الحكومة الدعم بحيث لا يطال الأثرياء والأجانب ولا الوزراء ومتنفذي الدولة، ولكن فلتقدم الحكومة -أولا- صيغة تعرفنا بها كيف سيذهب الدعم للمعسرين- دون سواهم- قبل أن تخطو بوصة في اتجاه تحرك يدفن الطبقة المنهكة أصلاً..!
فلتخبرنا أولاً: هل تنوي توزيع كوبونات دعم مثلاً تصرف بموجبها حصصاً تموينية للأسر ؟! أم تنوي تخصيص قسائم شهرية لصرف البترول كتلك التي يحصل عليها – حصراً- كبار مسؤولي الوزارات الذين تشفق عليهم الدولة فتتحمل عنهم تلك الأعباء الإضافية؟! أم تنوي تحسين الرواتب الدنيا؛ كما حسنت رواتب الوزراء والنواب وأغدقت عليهم من مدخرات الشعب؟!
بالطبع لا.. ولن تلجأ الحكومة لهكذا خطوة.. أو تعلمون لماذا؟
خشية أن يكشف ذلك الأرقام الحقيقية لمستحقي الدعم.. فالحكومة، وإن كانت قد تفاجأت بحجم الأسر المعدمة عندما أقرت علاوة الغلاء وصفعت بحجم المستحقين للمعونة رغم الشروط التعجيزية؛ إلا أنها تنتظر مفاجأة أكبر إن أقرت دعماً يشمل الفقراء وأبناء الطبقة الوسطى؛ لأنها ستكتشف – حينها – أن حجم الطبقة الميسورة ولا نقول الغنية في البحرين لا يتجاوز الـ20% من حجم السكان.. أما الباقون فيعيشون في أوضاع أقل ما يقال عنها إنها صعبة..
نعي جيداً أن الحكومة تراهن على أن الشعب المتبرم اليوم سيسكت غدا، وأن ثورة النواب ستتبدد كفقاعات الصابون، وأن الكتل التي تحلف اليمين وتتوعد قد تصوت في النهاية لرفع الدعم أو تشيح بوجهها بعيداً عن المسألة برمتها .. نعي ذلك ونعي أن الحكومة تعرف، بحنكتها وخبرتها، أن شعب البحرين تعود إن ما صفع على خد أن يدير الثاني؛ وأن له صوتاً أكبر منه؛ وأنه ينفس عن نفسه بالصراخ والثرثرة ثم ينزوي في ركن كالقط النعس!! ومن شهد ثورة الناس على استقطاع الـ1% من الرواتب وثورة النواب على زيادة رسوم التأمينات يعرف أن كلام الحكومة مسمار في لوح بينما كلامنا كله زبد بحر.. لذا فنحن نعول الآن على حصافة الحكومة نفسها أن تتراجع عن قرارها المجحف ذاك وأن تبحث عن مكامن الهدر في ميزانيتها، وهي كثيرة، وترتقها. كما وعليها، وكما تنسى الناس في أوقات الطفرة والوفرة، أن تنساهم أيضاً في أوقات الضيق والعسرة..ولتعلم الحكومة أن الضغط.. يولد الانفجار..
اللهم قد بلغت؛ فأشهد..