اجتماعية ناقدة : هي قضية تقشعر لها الأبدان.. ونعتذر سلفاً للأطياب لما في المقال من جرح للمشاعر الشفيفة..
في الدقائق التي تقرؤون فيها هذه السطور، هناك طفل يرقد في مجمع السلمانية الطبي في غيبوبة تامة منذ 13 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي على إثر تعرضه – للمرة الثالثة – إلى الاعتداء الجسدي من والده. يستحضر الطاقم الطبي تلك الليلة جيداً؛ تلك التي دخل فيها حسن للمشفى مصاباً بتشنج مع فقدان كامل للوعي؛ وبالأشعة المقطعية تبين أنه مصاب بنزيف داخلي في المخ مع تورم شديد في الدماغ وانزلاق طال الجزء السفلي من المخ.. حالته الحرجة استدعت تدخلاً جراحياً عاجلاً لتفريغ النزيف نجا بفضله من الموت المحقق؛ ولكنه – من جراء نقص الأكسجين والنزف الشديد – دخل في غيبوبة كاملة؛ وحده الرحمن من يعلم متى سيخرج منها؛ وبأي علة !!
قضية مؤلمة هي لا تشبه أياً من القضايا التي رأيتها وما رأيته كثير.. كثير جداً..
قصة حسن (6 سنوات) لم تبدأ هناك؛ بل بدأت في 2007 وكان حينها لم يتجاوز الثالثة.. كان قد أدخل المستشفى 3 مرات في أقل من شهرين على إثر التعرض إلى إصابات بليغة. في الأولى بسبب جرح غائر في الرأس؛ وفي الثانية عولج عن تشقق ونزيف في عضلات الفخذ.. أما في الثالثة فقد أدخل على إثر إصابته بنزيف في العين أدى لتدهور شديد في البصر !!
حتى ذلك الوقت كان حسن طفلاً طبيعياً وذكياً؛ ولكنه تدهور وصار يعاني من تخلف ذهني بسيط وضعف في البصر وفرط في الحركة وضعف في التركيز.. تدهوره ذاك كان نتيجة طبيعية للتعذيب المنظم الذي تعرض إليه بامتداد سنواته القصيرة. فالمرات الموثقة هي قمة الجبل سبقتها – وتخللتها – مرات عدة لم يتلق فيها الطفل عناية طبية؛ أو لم توثق لأن الأب/ المعتدي كان يعمد إلى معالجته في مستشفيات خاصة ويعزو إصاباته لوقوعه من على السلم أو في الحمام؛ بيد أن العلامات التي تملأ جسد الطفل النازف.. كانت تكذب إدعائه..
حسن.. هذا الطفل استقبلته الحياة بالصفعات والركلات ورائحة المستشفيات.. ضحية مَن في اعتقادكم؟
والده المعتوه الذي يفرغ شحنات عنفه المحتقنة فيه؟ والدته الضعيفة التي عجزت عن حمايته وخذلته مرات ومرات؟ الطاقم الطبي الذين تيقنوا أن الطفل يتعرض إلى التعذيب ولكنهم أعادوه لوالده لينكل به مجدداً؟ الشرطة التي استقبلت مراراً شكاوى الأم من تعرضها – وأطفالها – إلى العنف فلم يتخذوا ضد الزوج أي إجراء ولا حتى حبسه احتياطياً ولا حتى مطالبته بتعهد؟!.. النيابة التي حققت في قضيته عبر السنوات ولديها من التقارير ما يثبت تعرضه للتعذيب المتعمد ورغم ذاك لم يحبس يوماً ولم يحول للمحاكمة ليومنا هذا بل ولم يجبر – وهو أضعف الإيمان – على الخضوع لعلاج نفسي ليضبط عنفه؟! الجدة والجد للأم اللذين أمرت النيابة بنقل الحضانة لهما مؤقتاً ولكنهما قصرا عن حمايته ورعايته لكبرهما ولعجزهما عن الاعتناء بالطفل بسبب التعقيدات الصحية والإسكانية التي يعيشانها؟!
ذنب من؟!
ذنب الدولة التي لا قوانين فيها لحماية الطفولة؟ ذنب السلطات التي تعاقبك إن ركلت عابراً في الطريق ولكنها تعتبر تعذيبك لأطفالك أمراً مقبولاً ؟! ذنب النواب والمجلس التشريعي الذي لا يهتز طرفه بسبب تلك القضايا ؟ ذنب دور الإيواء – محدودة الطاقة والإمكانات – التي لا تسارع لانتزاع هؤلاء من ذويهم ما إن تتناهى لهم قضايا كهذه..
حقاً؛ ذنب حسن.. في رقبة مَن ؟!
بالأمس فقط وردتني حالة مشابهه لطفلين أكبرهما في الـ 12 من العمر تزوجت أمهما في الإمارات وصارا في حضانة الأب الذي تنتابه حالات فيخنقهما بالعقال أو يغطس رأسهما في المسبح حتى يصل بهما لمرحلة الاختناق.. والسلطات استقبلت شكوى الأم ببرود ومازالا – إلى اليوم – في عهدة والدهما يفعل بهما ما يشاء !
بالله عليكم فليجبنا أحد:
ذنب الطفولة المنتهكة.. والجراحات الغائرة.. والأرواح المهددة.. في رقبة مَن؟