اجتماعية ناقدة : قبل أيام فقط؛ اكتشفت أن خادمتي تماثلني عمراً، وأنها كانت معلمة أطفال في بلدها، وعرفت -للمرة الأولى- أنها وعائلتها كانوا من ضحايا « تسونامي» وبسببه فُجعت بفقدان ابنتها الوحيدة مع بيتهم وكل مقتنياتهم التي جرفها الإعصار..!
شعرت حينها بسوء لا يُوصف، لقد عملت هذه الشابة معي لأكثر من عام ولم تعد الأحاديث بيننا جملة من الطلبات المكررة التي أتلوها عليها – غالباً- دون النظر لها لانهماكي بالكتابة أو الاستعداد للخروج.. أجتهد عند كتابة هذه السطور لاستحضار ملامح وأسماء الخادمات اللاتي مررن بعائلتنا عبر السنوات وأفشل.. فالجمل التي تبادلتها معهن كانت جد محدودة وشديدة الرسمية والسطحية. لم أمتهن كرامة أي منهن يوماً؛ ولكنني كنت أنهرهن اذا كسرت إحداهن عطراً أو أضاعت شيئاً من مقتنياتي..
ذات يوم أحرقت إحداهن فستاني الجديد فجزعت وأرسلت زميلتها لتخبرني بأنها تنوي دفع قيمته من راتبها. احترت حينها أأنفجر ضحكاً أم غضبا فقيمة الفستان تعادل راتب 8 أشهر من مرتبها !! كانت تلك الحسبةُ كفيلةٌٌ بدفعي لأتجاوز الأمر، وتأمل درامية المشهد.. أي حق نملك لنلوم هؤلاء على شيء وهم يعملون لدينا على مدى شهر براتب نصرف مثله في مطعم.. أو نقتني بمثله حذاء..!! ولا أذكر أني مذ ذاك نهرت إحداهن وإن أفسدن ما أفسدن ..
أخجل من الاعترافات أعلاه.. ولكني أفتح لكم دفاتري بمناسبتين:
أولاهما تصفحي تقريراً من 131 صفحة تتناول فيه منظمة حقوقية أوضاع الخادمات السريلانكيات في الخليج.. وحياة 660 ألف سريلانكية يعشن في دولنا.. يتحدث التقرير عن عمل هؤلاء ما بين 16-21 ساعة يومياً، حرمان هؤلاء من يوم راحة ، لا في الأسبوع ولا في السنة، وعن حرمان بعضهن من الراتب أو الامتناع عن دفعه لأشهر..!!
والتقرير بهذا لم يأتنا بما لا نعرف.. فقد تعرض المجتمع الخليجي لهجمات شرسة عبر السنوات بسبب أوضاع العمالة المنزلية وقد أظهر تقرير بثته الـcnn مؤخراً أماكن نوم الخادمات اللاتي لا يملكن غرفاً مستقلة في كثير من المنازل والشقق وبالتالي ينمن في المطبخ أو في المخزن، كما تناول التقرير ما تتعرض له الخادمات من عنف يصل أحياناً لإدماء الجسد وإهدار الكرامة ..
بالطبع في الدول المتقدمة.. تحصل الخادمات على أجورهن بالساعة ويعاملن كموظفات لا كجاريات وعبيد.. والمفارقة أننا كمسلمين ، حثنا ديننا على الإحسان للخادم وعدم استغلال فقره وفاقته.. وإطعامهم مما يأكل أرباب البيت وإلباسهم مما يلبسون وفي ذلك وردت أحاديث عدة عن النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) وخادمه أنس.. ومع ذلك فنحن أكثر شعوب العالم اليوم إساءة للخدم والأجراء !!
أما المناسبة الثانية التي استوجبت هذا الحديث فكانت في اطلاعي على تفاصيل عدة جرائم ارتكبتها خادمات في حق أطفال مخدوميهن وراح ضحيتها الأطفال أو تشوهوا.. لاشك إن الجرائم على هذه الشاكلة جُرمٌ لا يُغتفر ولكن،،
أليس الوالدان اللذان أساءا معاملة هذه الإنسانة يتحملان جُزءاً من هذا الوزر ؟
ألا يتساءل بعضكم أي إجحاف ذاك الذي لقيته؛ ودفعها لاستخدام هذا الطفل كأداة انتقام من الوالدين وإن كان هذا يعني ضياع مستقبلها وحياتها للأبد..!!
الرسالة على ما أعتقد واضحة.. وما من خاتمة لها أبلغ من التذكير بحديث رسولنا الكريم القائل فيه :
«أيها الناس اللَه الله فيما ملكت أيمانكم، أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإنهم خلق أمثالكم، ألا من ظلمهم –فأنا- خصمهم يوم القيامة والله حاكمهم».