من كرامات «أبو الكرامات«

بقلم : لميس ضيف

:للقلب والروح

قال ابن حزم: (الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد. دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عز وجل يقلبها كيف يشاء).
في زمننا هذا الكل يشكو الضجر.. يشكو كآبة مؤلمة حد الوجع ولا يُعرف لِم وعلام.. قلما يتعلق الأمر بما تملك وما لا تملك، فطيف النعم الربانية لا يستثني على الأرض شاكرا ولا جحوداً؛ بل الأمر كله هو ما في الإنسان من بركان إحساس يتفجر في الداخل حمماً أو ينابيع عذبة.. وإن حصحص الحق فلا شيء أقسى من الوحشة بين الجموع؛ والغربة إن عصفت بك وسط العشيرة.. فالوحدة تسد الشرايين وتعجِل المنية وتجرِد الحياة من الحياة. والوحدة ليست – كما يظن البعض واهمين – بإحساس يتبدد بالأنس وتطويق الأصدقاء والخلان، بل هو إحساس يلازمك كالظل إن لم تجد الآخر الذي يكملك.. 

فللحب كرامات يجهلها من لم يعرفه.. أو عرفه وعاشه ولم يفقده بعد، وأهم كراماته هي قدرته على أن يجعل الإنسان يمشي ويذر الجري..ولو أن توفيق الحكيم قال لما سُئل كيف تميز المحب من سواه أن المحب يكون اقرب للطيران منه للمشي.. إلا أني انتصر للمشي في نظريتي الطازجة التي أسميها نظرية “ المشي والجري”..!!

لا تجفلوا؛ فحق تكوين النظريات ليس حكراً على الفلاسفة والمفكرين، لذا فإن محدثتكم تبلور نظريات “في الطالعة والنازلة” تحاول عبرها فهم النفس البشرية.. في نظريتي الناشئة تلك، التي أعدها مقاربةً لفهم السبب الكامن الذي يجعل البعض يدمن العمل ويعجز عن الاستمتاع بالحياة؛ أرى الناس بين فريقين: نوع يجري بوحشية واندفاع ويسابق الآخرين والزمن ونفسه؛ وينزف عرقاً وشباباً وطاقة.. ونوع آخر يمشى مستمتعاً بنضارة الحياة ورحلتها الوعرة الغريبة المجنونة؛ قد يصل لوجهته أبطأ، نعم؛ ولكنه لا يكون في نهاية السبق قد خسر كل طاقته وغامر بالسقوط من فرط الإعياء..!!

العداءون الذين يجرون نوعان أيضاً: نوع يجري ليصل لشيء ؛ ونوع آخر يجري – فاراً من شيء.. فكما أن المرء قد يجري من أجل المال أو السلطة أو الحظوة والمكانة فقد يكون يجري زاهدا في كل هذا، إنما ليهرب: من ماض مؤرق؛ من وحدة عنيدة، من شريك غير مناسب، من عقدة نقص غير مرئية، من خوف كامن لا يدري منبعه.. 

لتجري، لا تحتاج لأن يكون معك رفيق.. واقعاً؛ الرفيق في الجري قد يبطئك ويحرمك فرصة الفوز بالسبق.. أما في المشي فأنت تحتاج أن تكون في حضرة رفيق: يؤانسك ويسليك ويناهدك.. كثيرون يجرون لا طمعاً ولا هرباً بل لخوفهم إن هم ما أبطأوا ومشوا برؤية أن يكتشفوا: أنهم بلا رفيق يعول عليه أو يركن له!!

من كرامات الحب – نقول – إنه يجعلك تمشي.. تأخذ الدنيا بهون ولا تستفزك الصغائر ولا تقضي عليك المصاعب.. فمن كرامات الحب أيضاً انه مخدر طبيعي.. يجعل الألم أقل؛ ويسكن الأوجاع بدرجة أو بأخرى؛ و”يتفاوت الناس في ذلك تبعاً لرقة طباعهم” كما يقول الكواكبي..

رحيق الكلام:
—————–
في الحياة جِد لك رفيقاً لتمشي معه..
توقف.. تلفت؛ ولا تجهد مضغة قلبك بالعدو المتواصل.. فالحياة أقصر من أن نقضيها في هرب أو سبق..