للوطن والروح
من الأسئلة المزعجة التي يتجنب المرء مطارحتها مع عقله هو السؤال الكبير: هل لكل إنسان منا ثمن؟ وإن كان الرد بالإيجاب؛ فما هي ثمني يا ترى؟! سؤال مهيب هو؛ قلة يتجرؤون على مواجه ذواتهم به خشية أن لا يروق لهم الجواب.. سيما أن الشواهد التي تطوِقنا تقول إن أثمان الكثيرين ليست تعجيزية كما كانوا – هم ومن حولهم – يظنون!!
جاك إنجيلهارد حاول في روايته Indecent Proposal الإجابة على هذا السؤال عبر سرد قصة زوجين متحابين يقعان في أزمة مالية تهدد بخسارتهما لمنزل أحلامهما؛ وفي لحظة يأس يقرران الذهاب للاس فيغاس للمقامرة بكل ما بقي لديهما؛ أملاً في ربح ينتشلهما من ضائقتهما، ولكنهما يخسران مالهما ويزدادان غرقا ويأسا..!!
في خضم كل ذلك يلتقيان بمليونير محنك سرعان ما يقع تحت تأثير فتنة الزوجة الشابة، فيعرض على الزوج أن يقرضه زوجته لليلة واحدة فقط! تثور ثائرة الزوجين بالطبع، بيد أن المليونير – الذي يعلم أن لكل شيء ثمناً- ضاعف المبلغ ليصل لمليون دولار فتهاوى رفض الزوجين أمام إغراء المادة.. بالطبع عول الزوجان على قدرتهما على نسيان تلك الصفقة المشبوهة ووضعهما خلف ظهريهما ولكنها طاردتهما ودكت علاقتهما التي لم تتعافَ بعدها..
وقد أنتجت تلك الرواية – بعد تغير نهايتها – كفيلم درامي رومانسي في 1993 وحقق 3 جوائز ذهبت إحداها لديمي مور بطلة الفيلم..
وبعيداً عن خيال الروايات هناك الواقع الذي نراه يومياً في كل الأصعدة والمساقات لأناس تهاوت مبادئهم تحت مطارق المصالح المختلفة واكتشفوا – ما إن بدأ المزاد وجاء الشاري- أنهم أرخص حتى مما كانوا يعتقدون!! فإغراء السلطة والمال والأحلام يجعل – حتى المناضلين- يفرطون ويتنازلون ويستسلمون تحت مسميات ورايات ترضي غرورهم وتخدر ضمائرهم..
وثمَن الإنسان بالمناسبة لا يكون دوماً مالاً.. أحيانا يكون أمراً مفاجئاً كالحب مثلاً.. نذكر في هذا الإطار الأردنية أمينة المفتي فتاة الطبقة المخملية التي وقعت في حب شاب يهودي ولعينيه انخرطت في الجيش الإسرائيلي كأول مجندة عربية.. فلما توفي زوجها على يد الجيش السوري نذرت حياتها للانتقام من العرب ودخلت دورات جاسوسية متقدمة واستطاعت الانخراط في قلب حركة فتح والتقرب من عرفات وجمع معلومات عن المخيمات والفرقاء الفلسطينيين، مكنت إسرائيل من تصفية قيادات عدة.. في قصتها أكدت المفتي أنها لم تكن تطمع في مال أو جاه.. بل كانت أسيرة حبها الذي كان النافذة التي ولج منها الصهاينة لتجنيدها..!!
نموذج متطرف هي، ولكنه الواقع الذي نرى أشباهه في حياتنا العامة عبر أمثلة كثيرة لا مكان لها بين سطورنا الآن، وكلها دلائل حية أن للبشر أثمان تعلو أو تتواضع..البعض ثمنه المال وهو الأزهد بين الجميع والبعض ثمنه أوهام أو أحلام أو وعود تترجم توقه الأبدي نحو آفاق أخرى.. البعض ثمنه مكاسب ذاتيه؛ والبعض ثمنه منافع تذهب لخاصته وجماعته وحزبه.. بلى؛ كلٌ منا يخال – يتمنى – أن يكون بلا ثمَن؛ والمحظوظ حقاً هو ذاك الذي يمشي على ورق الخريطة ويدور مع عقارب السنوات دون أن يتعرض لاختبار يكشف له ثمنه الحقيقي..!!
رحيق الكلام:
—————
إن كان لكل إنسان ثمَن – حقاً- فمِن الأفضل أن يكون ثمنك عالياً.. وجداً..