عين على الفساد : لهجة استفزازية خاطبته:
* تبدو من جماعة «سيماهم في وجوههم من أثر السجود»، ورغم ذلك ترشو موظفي الدولة لتظفر بالمناقصات.. يا عيب الشوم!
– وما عسانا نفعل – قال – وأعمالنا لا تمشي إلا بهذه الطريقة.. الموظفون يساوموننا علناً، ويطلبون نسبة معلومة من كل مناقصة.. وإن حدث وتبرمنا أغلقت علينا «حنفية» المناقصات وذهبنا للجحيم.. نحن مقاولون صغار بأعباء كبيرة.. رسوم شهرية لهيئة تنظيم العمل، رواتب موظفين ورسوم تأمينات وإيجارات وكهرباء وغيرها.. لنعيش علينا أن نعوم مع العائمين..
عن أي�’ الوزارات تتحدث؟
– كلهم كذلك. ولكني شخصياً تعاملت مع وزارتين: التربية والتعليم، والتنمية.. بدأ الأمر في التربية عندما تقدمت قبل سنوات لمناقصة صباغة صفوف مدرسية (لا تتجاوز قيمتها بالمناسبة 5 آلاف دينار) فطلب مني المسؤول رفع العطاء إلى 7 آلاف دينار على أن يحصل هو على الفرقية.. واستمرَ�’ الحال على هذا المنوال.. وفي السنوات الثلاث الماضية دفعت إلى هذا الموظف 30 ألف دينار «إكراميات ورشا».. وحديثاً فقط دفعت إلى موظف في «التنمية» 8 آلاف دينار لأظفر بمناقصة قيمتها 80 ألف دينار، أي 10% من قيمة المناقصة..
* نسبة الـ 10% هذه.. ثابتة؟
– متباينة هي، تتراوح بين 10 و20%.. ولكن هذا المبلغ ليس منتهى الأمر.. فهؤلاء يرهقوننا بطلبات «فوق البيعة»: «أحتاج لثلاجة، احترق مكيفي، أحتاج عمالاً لصيانة خلل، أريد استبدال أبوابي بأبواب ألمنيوم» وبالطبع علينا الطاعة!.. حديثاً، أجبرنا أحدهم على بناء شقة له في بيت والده ليتم فيه «نصف دينه»، كلفنا هذا 12 ألف دينار، ولم يكن لنا أن ننبس بكلمة!..
* ما اسمه، وصفته الوظيفية؟
– (بعد تردد): «……» وهناك «……»، مسؤولهم «……» له «ريحة أيضاً»، ولكنه لا يتعامل معنا مباشرة.. فما لا تعرفينه يا أستاذة أن نظام الرشا في الوزارات طائفي هو الآخر – ككل شيء آخر في البلاد – وعليه فكل موظف «متخصص» في تسهيل معاملات جماعته لا حباً فيهم، بل لقلة ثقته في سواهم..
* تسل�’مونهم المبالغ نقداً أم على هيئة شيكات؟
– يصر�’ون على تسلمها على هيئة شيكات (لحامله) ويدفعون بغيرهم لصرفها. شخصياً صرفت ذات مرة شيكاً من رصيد أحد المقاولين لحسابه بقيمة 13 ألف دينار.. فهؤلاء يدركون قواعد اللعبة جيداً.. ولا يوفرون لأحد فرصة لابتزازهم..
* وما الذي يُجبركم؟.. لمَ لا تتقدمون بشكوى أو تهددونهم بالفض�’ح؟
– لا يعرف المرء منا لمن يشتكي «فالمسؤول قد يكون أكثر سوءاً وفساداً من تابعيه» هذا أولاً.. ثانياً جرب�’تُ شخصياً مساومة موظف على المبلغ (لا على مبدأ الدفع، بل مقدار المبلغ) وكانت النتيجة أني عشت أشهراً عجافاً بعد أن ضي�’ق وزملاؤه علي�’ الخناق.. باختصار، هي معركة لا نودُ�’ بأي حال خوضها ونفضل الرضوخ وخسارة جزء على خسارة الكل..
* هل تتأثر جودة العمل بذلك؟.. أعني، هل تضطر – لتحتفظ بهامش ربح لائق – إلى التهاون في المواد أو الجودة؟
– لابد أن يعوض المقاول خسارته، وأي مقاول يد�’عي العكس كاذب، ولا بوابة لذلك إلا عبر التهاون في مواصفات العمل.. السوق راكدة والوزارات هي منفذنا الوحيد للاسترزاق..
أتصدقين؟ – قال مستطرداً – أحد موظفي التنمية المرتشين، وهو شاب توظف للتو لا يتجاوز راتبه 500 دينار، طلب مني – أخيراً – أن أبحث له عن عمارة على ألا يتجاوز سعرها 200 ألف دينار!.. لم أنم�’ ليلتها، صدقيني.. أدرك أن هذه الأموال هي أموالي وأموال غيري ممن يتعرضون إلى الابتزاز..
* لا تتكلم�’ وكأنك ضحية. لستم بضحايا.. أنتم شركاء في الجريمة..
– هذا هو النظام ولم نخترعه.. ليصلك «متر» الكهرباء يجب أن تدفع للموظف 40 ديناراً (أصبحت بالمناسبة عرفاً) وإلا فسيتلكأ في تمديده.. ولتصدر وثيقة الملكية يجب أن تدفع للموظف حلاوته.. هذا هو النظام، وهذا هو بحر الوزارات الآسِن.. ولا خيار لك إلا أن تسبح فيه، أو تراقب بحسرة من الشط�’..
كان هذا هو الحوار نقلته لكم.. وبلا تعليق..