وطني «2» .. الملف الأمني.. المنتحرون

بقلم : لميس ضيف

للوطن :

ولكنها في النهاية مواجهات مؤرقة تستنزف طاقة البلاد.. وسنام المعضلة أنها مسألة لا تلوح لها في الأفق نهاية، فلا أحد منا يملك أدنى فكرة متى ستتوقف.. وهل ستتصاعد أم تنحسر؟ وهل، وبعد أن لوحت الداخلية بإمكانية استخدم الرصاص الحي بعد الاعتداء المتكرر على أفرادها، سيأتي اليوم الذي سنخسر فيه أرواحاً وسنشتبك في مواجهات دموية؟! 
لا نتمنى.. ونصلي أن لا يأتي هذا اليوم؛ ولكن ما نراه.. لا يبشِر بخير!!
إلى أين تذهب البحرين؟

هنا؛ ولكوننا ألفنا الأمر أو تآلفنا معه صرنا ننظر لتلك المماحكات الأمنية باستخفاف ونقرأ أكلافها بشكل مخل. ولكن رؤوس الأموال – الموسومة بالجبانة – لا تشاطرنا الرأي.. سيما وأن البيانات التي تصدر في الخارج متناولةً الأوضاع الداخلية والتعديات الأمنية توحي لقارئها لوهلة أن البحرين تحولت لأفغانستان أو للكاظمية!! في مقال الأمس ورد خطأ مطبعي في الجزئية التي تساءلنا فيها لماذا لا يعدو نصيب البحرين من الاستثمارات الأجنبية المباشرة 1.8 مليار لا 8.1 مليار كما ورد من أصل مجموع الاستثمارات الأجنبية في الخليج البالغ نحو 63 ملياراً.. والجواب أنها منظومة من العوامل لا شك أن الاستقرار الأمني والسياسي على رأسها.. 

نقول إن تلك المواجهات كانت وبالا على الدولة والشعب أيضاً.. فالاستثمارات تعني أموالاً تضخ ووظائف مجزية ومشترين وباعة.. وفاتورة السمعة التي اكتسبتها البلاد؛ ليست رخيصة.. وفي الوقت الذي ندين فيه تلك الأعمال ونستهجنها إلا أن الإنصاف يقتضي منا أن نقول إنها لم تولد من العدم ولم تنطلق من فراغ.. هناك احتقان؛ وهناك معاناة تنفس عن نفسها بشكل غير مدروس.. 

وبأمانة نعلنها أن الفقر والعوز ليسا هما مبعث العنف كما يشاع ويردد.. بل هو إحساس هذا المعدم بأنه مظلوم.. وبأنه محبوس في جلده؛ وبأن الأبواب موصدة أمامه بلا سبب يقبله.. وهو إحساس شنيع.. خانق حَد الوجع.. يجعل المرء يخرج عن رشده وخلقه..

في دول عديدة ينتحر هؤلاء الشباب الضائعون عندما يجدون الحياة تطأ بقدمها الثخينة على رؤوسهم.. في البحرين يمنع من الانتحار الفعلي فينتحرون بشكل آخر.. يلقون بأنفسهم للتهلكة.. يجازفون بالتعرض للاعتقال أو لرصاصة مطاطية أو لضربة تفقده حاسة من حواسه.. كثير منهم يدرك أنه يجرُ نفسه للهاوية، ولكنه لا يتراجع لأنه لا يملك ما يخسر.. لا له مستقبل ينتظره.. ولا إرث يتحراه.. ويرى حملة الشهادات من أهله عاطلين؛ ومن توظف منهم يأخذ فتاتاً ليس يكفيه، ولا هو بمالك لأجر العلاج في مستشفيات تحترم إنسانيته.. ولا أمل له بالرفاهية التي يسمع عنها ولا يراها!! أمثال هؤلاء قنابل.. قنابل موقوتة بمعنى الكلمة.. هم موجودون في كل الطوائف والمذاهب وبطول البحرين وعرضها.. بعضهم صامت وبعضهم انفجر؛ وبعضهم يوشك على الانفجار.. 

لا نبرر العنف؛ ولكن المريض إن صرخ – وإن كانت صرخاته لا تزيده إلا وبالا- لا يُلام.. والداخلية هنا في تقديري- ضحية أكثر منها جلاداً.. فهي تخوض معارك صغيرة تستنفد جهدها ووقتها ولا تملك الحل.. 

بيت القصيد: الملف الأمني جرح نازف لهذا الوطن.. وحتى نوقف هذا النزف.. لن يستطيع هذا الكيان المجروح أن يذهب إلى أي وجهة.. ولن نعرف أبدا وسط هذا الوضع المحموم.. إلى أين نحن ذاهبون؟! 

– يتبـــع..