اجتماعية ناقدة : عبارةٌ جهرت بها الصيدلانية غادة عبد العال فلامست شغاف قلوب 15 مليون مصرية ومصري جرت بهم السنون ولم يجدوا شريك الحياة بعد. عبارةٌ مبتسرة، بسيطةٌ ولها وقعٌ سوقي، ولكنها تحكي أزمة 35% من شابات قطر والبحرين والكويت ممن تجاوزن الـ30 دون زواج*.. ومعضلة فتاة من كل 16 فتاة سعودية تخطت الثلاثين دون زواج**..” عايزة تجوز” نطقتها غادةُ باسمها وباسم عوانس الجزائر، التي تفيد الإحصائيات بان عددهن يناهز تعداد الشعب الليبي الشقيق بأكمله..!!
لا عجب إذن أن مدونة غادة استقطبت ملايين الزيارات.. ولا أن كتابها تصدر – على مدى عامين- قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في مصر. ولا أن مسلسلها أغوى 9 قنوات فضائية لشرائه ما جعله أكثر المسلسلات عرضاً وحضورا بين القنوات هذا العام.
فهل أصبح إيجاد الزوج – فعلاً- معضلة في مجتمع اليوم لدرجة حولت فتاة شعبية من “المحلة” لأيقونة لمجرد أنها صرحت بما يخفيه سواها ؟!
الأرقام تقول نعم، وتشي بأن لا مبالغة في ما يسرده العمل الميلودرامي عن قسوة رحلة البحث عن زوجً مناسب.. ومشكلة العنوسة تلك – للعلم- ثنائية الجنس يعاني منها الرجال كما الإناث تماماً، وعلى المُنكر لذلك أن يتصفح عشرات مواقع الزواج ليرى الأرقام الفلكية للرجال المسجلين فيها والتي تبدأ من 40 ألفاً وتصل لمليون.. إلا أن المشكلة تبدو أكثر شخوصاً بالنسبة للنساء بالطبع لأنهن يولدن بــ” تاريخ صلاحية” حدده المجتمع ” بمزاجه” في الوقت الذي قرر فيه أيضاً أن صلاحية الرجل.. مفتوحة!!
*****
فماذا جرى يا ترى ؟
في عصر مضى.. كان الزواج مهمة ولا أسهل:
تخطب الأم لأبنها ويزج بالشابين اليافعين لغرفة بعد كثير من التهليل والمشموم والطبول ويُطلب منهما أن يكونا زوجين !! لم يكن احد يشكو حينها قله ” التوافق”، كان الأزواج يرتبطون صغاراً ويشبون على الطوق معاً وخلافاً لفقدان الزوج بالوفاة المبكرة – نتيجة لبدائية التطبيب- كانوا يشيخون معاً ولم يكن الطلاق شائعاً أبدا كما هو اليوم ( 4-6 من كل 10 زيجات في الخليج تنتهي بالطلاق )..
فما الذي تغير يا ترى ؟
هل أصبحت الأجيال الجديدة متطلبة جدا.. ولا يعجبها العجب ولا صيام رمضان ولا حتى رجب؟
ربما ولكننا نقول أن اليابان والمدارس المجانية هي السبب..!!
وقبل أن تمطوا شفاهكم معترضين اسمعونا قليلاً.. قديماً؛ كان الرجل يحتاج للمرأة لتقدم له جملة خدمات ” تُنجب ، تطبخ ، تغسل ثيابه، تنظف المنزل وتعتني بالماشية والطيور المنزلية.. ألخ” وكانت متطلبات المرأة اشد بساطة؛ رجلٌ يوفر لها سقفا وقوتا وعباءة اجتماعية لا قيمة لها من دونها. كثيرٌ من رجال الأمس – بالمناسبة- كانوا أشد لؤماً وإهمالا من أزواج اليوم : يهينون نساؤهن ويضربونهن ويختفون عن ناظرهن بالأشهر ويتزوجون عليهن مراراً وتكراراً.. ولكن الزوجة كانت ترضى لأن هذا الزوج كان مصدر رزقها والظل الذي تحتمي به من شمس الحاجة..
أما اليوم فيستطيع الزوج أن يوفر لنفسه عشرات الأدوات العصرية التي تنهض باحتياجاته وله أن يستعين بالمحال الخدمية من مغاسل ومطاعم ولم يعد بحاجة لمعونة ” نسائية” ليعيش !! في المقابل حد تعلم المرأة واستقلاليتها المادية من حاجتها لقروش الرجل وسقفه، وأضحت – بعلمها وعملها- قادرةً أن تكون رقماً في الحياة دون رجل.. بالمفاد تغيرت متطلبات الزواج جذريا..وأصبح البحث عن التوافقات الروحية والنفسية هو المطلب؛ كما وانقلبت مفاهيم الجاذبية والانجذاب أيضاً ولعب الإعلام دوره في رفع سقف التطلعات الشكلية والجوهرية عند الجنسيين.. ولم تعد الـ ” الشاطرة ست البيت” هي العروس الحلم.. كما أن الرجل ” الكسيب” لم يعد كافياً..!!
علا سقف التطلعات نقول، وتمرد الشباب على الزيجات المرتجلة المسلوقة ولكن مجتمعاتنا ، التي تأبى نزع الخيمة المنصوبة فوق رأسها، لم تتغير..فمجتمع العفة الذي لا تشوبه شائبة ولا تعيبه عائبة، المجتمع الذي لا يسرق فيه الناس ولا يرتشون ولا يغشون ولا يدلسون ، مازال يغلق الباب أمام فرص الالتقاء الصحي بين الجنسين حتى ضمن نطاق الأسرة.. ولازالت أغلب الأسر تُصر، حتى ضمن اللقاءات العائلية،على فصل النساء عن الرجال.. وحاشا أن يلتقي الجيران والانساب وأصدقاء العائلة.. وكثيراً ما تسوء سمعة فتيات لمجرد أنهن نشطن في جمعية أو نشاط مختلط .. فبالله عليكم كيف يمكن للشباب أن يتعارفوا ويشتبكوا في علاقات شريفة تفضي للزواج في أجواء مغلقة كهذه ..!!
فإن أضفنا لذلك حقيقة ارتفاع كُلف الزواج وعجز شريحة عريضة عن تحمله؛ فسنجد أنفسنا أمام السبب الحقيقي لنشوء تنظيم ” عايزين نتجوز” المراشح للزيادة كل يوم، ولا عزاء “للعايزين” !!
_____
هامش
*وفقا لإحصائية نفذها المركز العربي للدراسات
**وفقا للمسح السكاني الأخير