اجتماعية ناقدة : أثارت قضية ” فتاة دلهي” مؤخرا زوبعة إجتماعية بعد أن توفيت في الـثامن والعشرين من ديسمبر متأثراً بجراحها بعد إغتصابها من قبل 6 رجال وبقائها عارية على قارعة الطريق لساعتين دون أن يوافق أحد على نجدتها !!
تفاصيل الحادثة المروعة تشير إلى أن الفتاة كانت خارجة من السينما برفقة صديقها عندما أستقلت حافلة من موقف الريكشا وتعرض صديقها للضرب والتعرية فيما تعرضت هي للإغتصاب على يد ستة رجال على مدى ساعات، ومن ثم إلقايا على قارعة الطريق في حالة مزرية ، وقد كانا يستنجدان بالسيارات المارة ولكن أحداً ما لم يوافق على مساعدتهما “كانوا يخفضون سرعة سيارتهم وينظرون إلى أجسادنا العارية ثم يتركوننا ويرحلون” قال صديق الضحية لقناة زي في المقابلة الوحيدة التي ظهر فيها- كما أن الشرطة عندما وصلت تعاملت ” بتهاون معها وتم أخذها لمستشفى بعيدا جدا وتسبب كل هذا التأخير في إنقاذها لوفاتها بعد أيام من العذاب..
ما أثار حفيظة المنظمات الدولية أن الفتاة حُملت ذنب ما جرى لها ووصفت بأنها ” تستحق ” هذا المصير من قبل أفراد عشيرتها ومنطقتها !!
المفارقة أن هذه الواقعة التي هزت الهند حصلت بالتزامن مع واقعة أخرى حصلت في تونس ، حيث قام إثنان من رجال الشرطة بإغتصاب فتاة تونسية في سيارتها ثم إتهامها “بالفحشاء ” والقبض عليها بغية محاكمتها !! ورغم أن الرئيس التونسي قدم رسميا ” إعتذار الدولة ” للفتاة عنما تعرضت له إلا ان قاضي التحقيق لم يسقط التهم التي مازالت تُدرس حتى كتابة هذه السطور !
*****
في المجتمعات الشرقية إجمالا.. تتحول الضحية في قضايا الشرف لجاني ، وغالبا ما تكون ضحية مزدوجة : للمجرم ولمجتمعها.. وغالبا ما يلومها المجتمع على جريمة تعرضت لها إستناداً على مظهرها ، توقيت تواجدها ، ثقتها بالغرباء وغيرها من الذرائع الواهية التي لم ترفع مستوى الوعي عند الفتيات بقدر ما دفعتهن للتستر على ما يقع لهن خوفا من سياط المجتمع وتقريعه ..!!
وحتى في الحالات – المعدودة – التي يُعفي المجتمع فيها الضحية من أوزار الجريمة التي تعرضت لها فأنا – بطريقة ما – يضعها في قالب معين ، فتتحول لعنصر منبوذ في المجتمع محاط بالشفقة أو بالإزدراء أو الإستصغار.. وما كل هذا إلا نتاج المفهوم العقيم للفضيلة والشرف في مجتمعاتنا الذي يربط الشرف بالمرأة فقط دوناً عن الرجل – ويعتبرها وصية على سمعة العائلة فيحملها بذلك اكثر مما تحتمل ويزيح عن كاهل الرجل العبأ الذي – هو الاولى – بحمله !
في مجتمعاتنا عندما يقع شاب وفتاةٌ في المحضور تحمل الفتاة الذنب ولو كانت صغيرة السن أو مستغفله ويبرئ الشاب من فعله هذا ! وسرعان ما ينسى المجتمع للشاب خطاياه بإعتبارها ” طيش شباب” في حين أن ذاكرة المجتمع – ذاته- حادة كالسيف عندما يتعلق الأمر بالأنثى رغم أن العقوبة في الشرع والقانون – واحدةٌ بغض النظر عن جنس الجاني !!
هذا المفهوم المتخلف المعوج يشجع الرجال على الجرائم الأخلاقية ويشجع النساء على الصمت إن ما تحولن لضحايا.. ومثل هذه الجرائم – سواء تلك التي حصلت في دلهي أو تونس – هي مرآة لبشاعة المجتمعات الشرقية التي تبدو الأكثر تعلقا بالقيم – قشريا- بينما هي في العمق أبعد الأقوام عنها !