اجتماعية ناقدة : أطرقت أتأملها في زيارتي الأخيرة للحرم المكي.. شابة مكتنزةٌ في العقد الثالث حسنة المحيا مهذبة المظهر اخترقت صفوفنا برفقة سيدة عجوز لتتوسل زمرة من النساء العربيات منحها كرسيا بينهن.. ففي هذا الوقت من النهار، والشمس تحتجب وجموع الحجيج يطوفون حول الكعبة في مشهد سريالي بديع، تعمد الحذقات من النساء على حجز كراسي « من تلك التي تترك كوقف للحرم « لتأمل المنظر انتظاراً للصلاة..
الشابة كانت تطمح في اجلاس والدتها في أحد الكراسي الشاغرة ولكن الموجودات رفضن بذريعة أنها محجوزة لزميلاتهن.. فطلبت منهن بأدب جم أن يسمحن لها بالجلوس – على الأقل- لحين وصول صاحبات الكرسي فرفضن أيضا بتذمر هذه المرة ! رأت الشابة أن الوقوف أرهق والدتها، فطالبت المصليات في الصف الأول بالتزحزح قليلا لتجلس والدتها فتجاهلنها !! وانتهت رحلة السيدة بزجره ممتعضة من احدى الحاضرات التي قالت برعونة « هو ايه اصلو ده !!»
ناديتها لتجلس بجانبي وابتهجت لكوني أتكلم الانجليزية « لتواضع رصيدها من الكلمات العربية» عرفت منها أنها أستاذة من جوهنسبارغ دخلت الإسلام مؤخراً وتزور – للمرة الأولى- الحرم المكي.. لدقائق وضعت نفسي في محرابها وتخيلت فيم تفكر :
أن الجماعة الجديدة التي تنتسب لها ، والتي يدعو دينها لحسن المعاملة ويثيب حتى على الابتسامة ؛ لا تضاهي معشار ما تراه في الغرب من لطف وأدب.. وأن أتباع الدين الوحيد الذي يسبغ في الحديث عن النظافة لا يقيمون وزنا لها في أقدس البقاع بالنسبة لهم « الرائحة اللاذعة التي تفوح من كثير من المصلين تحجزك حتى عن التركيز في أحياناً !!».. كما وستكتشف أنها غير قادرة ؛ في مكان شديد القدسية كهذا، أن تغفل عن محمولها أو محفظتها لثوان لأنها ستسرق من قبل زوار بيت الله الذين يُفترض أنهم أشد تديناً من سواهم !!
إلى ذلك حمدت ربي أنها لا تتحدث العربية.. فلو كانت لتجولت في الانترنت ووقعت على الخطابات العدائية التي لا تذر أحداً.. ولضج ضميرها بدعوات الاستئصال والعنف والتكفير والتنفير التي تقحم في كل قضية.. ولاكتشفت أن المسلمين أبعد الأقوام عن الدين الذي أغرمت بخطابه الإنساني والفكري والحضاري بل وستجدهم ينقضون تعاليمه كل يوم بممارساتهم وأفعالهم..!!
سيقفز بعض المتفذلكين هاهنا ليرفضوا التعميم وهذا – نظرياً- صحيح؛ لا يجوز أن نعمم سلوك 50% منا على الـ50% الباقية ولكن… على أرض الواقع كلنا ، وأشدد كلنا، يميل لتعميم تجاربه عندما يتعامل مع أغراب أو يزور دولة أو يعيش تجربة سلبية /ايجابية مع جنسية أو عرق معين.. نحن نصم قوماً بأكملهم بأنهم نصابون لأننا وقعنا في محتال – أو باللطف- لو تقاطعنا مع بعض الصالحين.. الطبيعة البشرية تميل لتعميم تجاربها ولا داعي للمزايدة على تلك الحقيقة..
في العالم اليوم يعاني المسلمون من كبد مزدوج: كبد النظرة العنصرية التي تطوقهم بعد 11 سبتمبر.. وكبد العدائية الذي تغذيها ماكينة الإعلام ضد المسلمين.. والمسلمون من مواطني أو سكنى الغرب يعيشون في جهاد يومي جراء كل هذا.. وآخر ما يحتاجونه هو أن يشعروا بأنهم ، بانتقالهم لمعسكر الإسلام، قد انتسبوا لقوم همجيين لا يقيمون لأفعالهم وزناً لا في مجتمعاتهم ولا حين يطوفون العالم ويصبحون في بؤرة وعي الآخر.. بلى؛ يتعرض الإسلام اليوم لهجمات شرسة ولكن أكثرها وقعاً وضررا هو ذاك القادم من المسلمين أنفسهم وهي حقيقة صماء لا داعي للمكابرة فيها..
وصدق المستشرق الألماني حين قال:
الحمد لله أني عرفت الإسلام.. قبل أن أعرف المسلمين !!