اجتماعية ناقدة : دأب الكتابُ وأشباهُ الكتاب، والمفكرون والمتشبهون بالمفكرين، على استغلال المناسبات الدينية والوطنية للتنظير– تماماً كما يفعل رجال الدين- فيفتحون ” صنبور” الوعظ مدراراً ويفيضون بحكمتهم الجليلة على الناس – بلغةً استعلائية نصوحة- تُوحي بأنهم منبع المثالية وحصن الكمال (!!) حسناً.. ليس هذا ما أنوي فعله اليوم.. بل سأخبركم كما أنا مقصرة لتتقوا ما أفعله – بالمطلق- بل وتعاكسوه لتفوزوا فوزا عظيما..
منذ سنوات وأنا أهجو فقدان العيد لبريقه.. وكأنه حسناء شاخت وترهلت فما عاد التزين يجدي بها نفعاً !! مصير موجع هو، ليوم كان يمثل مفرقاً في العام نخطط له قبل موعده بأشهر.. بأشهر صدقوني.. ففي طفولتي كنتُ إن لمحتُ فستاناً ” منتفخا” متطاير الأطراف كفساتين راقصات الباليه سارعتُ بقص صورته ،وحملها لوالدتي مطالبةً إياها – بمثله- للعيد.. وقتها، لم تكن البساطة هي عنوان الأناقة، ولم يكن هناك ” بيبي ديور” ولا ” منسون” ولم يكن لـ” زارا” ذِكرٌ.. كان محل ” تشرين”، الخياط الهندي المحاذي لمسجد مؤمن، هو دار الأزياء الوحيدة التي أعرفها (!!) ورغم ذاك، كان لفساتين العيد طعم آخر زاهية الألوان، مطرزة بالزهور والشرائط، مثقلة بالفصوص اللامعة والأحجار الصناعية.. كانت – باختصار- ثريات سقف متحركة.. وحقيقة أنها كانت ثقيلة، وأننا كنا نلبسها في الصباح الباكر ” وهي أقرب ما تكون لفساتين السهرة ” لم تكن تزعجنا أبداً، بل كنا نجد في لبسها ورؤيتها على أقراننا إثارةً عظيمة..
في العيد كنا نتصفح وجوهاً لا تُعد: أقارب جنت على وصلهم المشاغل، أقرباء لأقرباء، وأصدقاء لأصدقاء وعائلات جيران نمرهم للمعايدة والسلام ليتلقفنا “قدوع العيد” الدسم المدجج بالمكسرات والحلويات.. كما وكانت العيديات السخية تمنحُ أعيادنا بُعداً آخراً فنخطط لعشرات الأشياء غير المهمة التي نريدُ شراءها بها..
كان العيد صاخبا بهيجا مكتظا بالقصص ومتخماً بالبهجة والإثارة، وكان ينتهي علينا ونحن سكارى بالسكر والضحكات..
في السنوات الأخيرة اقتصر برنامج العيد على معايدة إخوتي وأخواتي وأبنائهم الصغار، الذين يلبسون ملابس بسيطة لا تقل أناقة عما أراهم به يوميا ، نوزع عليهم ” العيديات” التي لا يعبأون بها ،وكثيراً ما ينسونها في ركنٍ ما فأبيح لنفسي استعادتها.. مساءً أخرج للعشاء مع صديقاتي المحدودات وغالبا ما ينتهي العيد في اليوم الثاني بغداء أسري آخر – إنما- خارج المنزل.. وحتى هذا العيد الهزيل حاربه السفر ونال منه.. فبعض عناصر الأسرة صارت تستغل الإجازة للسفر للعمرة أو الاستجمام فيفقد العيد جمهوره الصغير.. هذا العام مثلا سأسافر وأخوتي ، وستقصد والدتي وأخي العمرة ما يعني أن عيد الباقين سيكون مبتوراً بتقلص عدد الحضور للربع..!
أشعر بغصة لفقدان العيد لهيبته وبهجته، لا من أجلي بل من أجل الجميع، سيما الأطفال الذين لا يجدون في العيد ما يُذكر!!
لقد تخلينا عن العيد على ما يبدو.. فتخلى عنا هو أيضاً..
شخصيا.. لا أعرف اليوم نصف أفراد عائلتي سيما الأجيال الجديدة منهم.. لدي أبناء خالة وأبناء عمومة لو قابلتهم في الشارع لما عرفتهم.. أخمن أن المناسبات ، كالأعياد والكريسماس والنيروز بالنسبة للأقوام الأخرى وُجدت لهذا الغرض.. لتجمع العائلات التي تتشرذم طوال العام وتحرمها مطحنة الحياة من فرص تلاقي حقيقية..
اليوم هناك أسوار من غبار وشظايا مواقف تقف بين عائلات عدة، وهو واقع أليم يتجلى في مناسبات كهذه. في حالتي بالطبع أنا جزء من المشكلة..لا أبادر ولا أتواصل وهذا خطأ كبير.. لا تفعلوه رجاءً.. لونوا عيدكم بالضحكات والتواصل.. تشبثوا بالعيد.. أحيوا طقوسه العتيقة وابتدعوا لكم طقوساً جديدة لتبقوا جذوته حية..
وختاما،،
ولكم يا عائلتي الكبيرة.. يا شعب البحرين الحبيب الدافئ.. أقول
كل عام وأنتم .. أهلي